عيسى بن محمود المايسترو و الوشاح - إطلالة
كتبهاaissa benmahmoud ، في 26 فبراير 2012 الساعة: 15:38 م
عيسى بن محمود
المايسترو و الوشاح -إطلالة
ليس من باب النقد مطلقا تناولي -المايسترو و الوشاح- للقاصة علا السردي ، و لكن كقاريء يتبع خدمة الأسلوب للسرد و التأثيث للقصة من حيث الأفعال المستخدمة ، و لأن هذا النت شوارع و مدن و أحياء و زنقات أحيانا –و الزنقة طريق ضيق كما الزقاق في الحواضر- و إن -الطيور على أشكالها تقع- مناصرة للسرد فقد شدني هذا النص، و قد قالت العرب قديما : يسقط الطير حيث ينثر الحب .
تقول عن نفسها : ما زلت أحبو في عالم الأدب و القصة القصيرة ، و أنا بصدد التجهيز لطباعة أولى …حققت فوزا بالمرتبة الثالثة عن قصة شاركت بها في مسابقة فلسطين للإبداع .
المايسترو و الوشاح للكاتبة الأردنية علا السردي.
فكما السجب الوشاح في استخدامه في الأدب العربي للذكرى و المواعيد و الغواية و الدلال ، بينما المايسترو دخيلة من حيث اللفظة و إن من حيث الوظيفة فإن الأدب العربي القديم يزخر بقولهم : تلقته على يد فلان ، و قولهم قيان فلان ، حتى و إن لم يكن الأمر نفسه فوجه القرابة من حيث الإشراف على أداء وصلات طربية ما وارد ، غير أن خدمته للعنوان أتت من حيث كون المايسترو يشرف و ينسق و يأمر لتنفذ حركاته في وصلات موسيقية تتحرك بأوامره عديد الآلات فيرتفع الايقاع تارة و ينخفض أخرى ، بيد أن الوشاح للمرأة زينة و وقاية من البرد ، و احيانا للتعبير عن الحياء ، مما يعطي الانطباع للمتلقي بالتناقض الجميل الذي عليه تتبعه في النص.
من هنا نبدأ مع عتبة النص التي أرادتها الكاتبة تصويرا مشهديا كما كاميرا المخرج السينمائي ، لولا وجود تراكيب لغوية تعطي المعنى أبعادا لا يمكن لأي مخرج تجسيدها ، وحده الخيال البشري قادر على تصورها ، سواء تطلب منه ذلك التجريد او السريالية كمثل قولها : تخجل الشفاه - تحلق موسيقى-تلتهم الارواح الجائعة غذاءها ألحانا - تستكين الالحان ’
*طرقتان خفيفتان بالعصا الرقيقة على حامل النوتة الموسيقية. الجمهور صامت. الموسيقيون متأهبون. بضع ثوانٍ و يبدأ العزف. يحرك المايسترو يده ذات اليمين و ذات الشمال، و تنطلق الموسيقى في الأنحاء. تخجل الشفاه فتتوقف عن التمتمة… تتعلق الأبصار بالآلات الموسيقية، و تلتهم الأرواح الجائعة غذائها ألحانا… لا تُبقي حتى على الصدى… تحلق موسيقى بيتهوفن بين الأرض و السماء..*
تحيلنا بعد مشهد العتبة الى البطلة فتختار لها احدى الشرفات ، و تستعير من البطلة الاداة التي تخدم المقام ، فركح المسرح يبعث بأنغام و موسيقى تقفز الى اذن جميلة تعلق بها قرط ماسي ، لتكمل الزوم حينها الى السيدة التي تضعه .
تبدأ برسم العلاقة بين البطلة صاحبة الوشاح لاحقا و المايسترو ، نتجاوز احداثها و نتركها للقاريء حتى لا يفوت المتعة ، بيد أننا نشير الى تمكن من السير بأحداث القصة بوعي و نباهة و اقتدار على ربط الحدث بما يخدم القصة القصيرة .
نأتي على الأفعال التي أوردتها الكاتبة حينما تذكر البطلة او التي تقولها-بضم التاء- ثم البطل و كلاهما ثم الظروف المصاحبة و هي كالتالي :* البطلة : تجلس-اعتادت-تكن-تتخلف-يحب-يكره-يفرق-تبادل-تصفق-تغادر2-تشاركت- تعيد- تطلب- أطلت - بدت 2- تقدمت-تحمل-قالت-قدمت-اشتقت-همت-تنظر-ردت-استدارت-تابعت- تلتفت- مضت- كانت2- تراقب- تبتسم-كانت- تبكي .
استعمال المضارع في بناء المشهد القصصي ليأتي الماضي بما فيه الناقص في صنع التأزم ، و العودة للمضارع من جديد في النهاية ، و لم يأت المبني للمجهول مثلا إلا في : يرفع - رفع في الافعال المتعلقة بالظروف المصاحبة (الجمهور مثلا) اذ نجد : صامت - متأهبون-يبدأ-تنطلق- تخجل - تتوقف- تتعلق- تلتهم- تبقى- تحلق- تستكين -تقفز-تعلق- يكاد- يصبو- تدب2- تعد- اقترب-بدأ- بقيا- مر - همس - يسقط - يعانق- كان - تسلل- امتزج-تعلق-ينتظرون-اقترب-قال-يرفع-رفع-يصفق-حضرت-ينتهي - واقف- يبدي- استمر- أودت .
و أتت الافعال حسية في ذكر البطلة أو ما جاءت به إلا في 3 حالات وردت صورية في ذكر : الكره -الحب-الشوق ، بينما وردت 7 مرات للبطل : الحظوة 2-الانتشاء - التحليق-الظن - العلم ، و هي من جملة الافعال العديدة الدالة على البطل :يحرك - يختطف-يستقبل-يودع-يحظى2-يمتلك -يوميء- يقود- يصمت ……ينتشي - يحلق……انحنى- يرى -ظن- يعلم .
و وردت في الافعال الدالة على الظروف المصاحبة في وصف الجمهور تحديدا مرتين : الخجل و التحليق .
و مع ان دور البطولة متبادل فإن الافعال التي تجمع البطلين لم تتعد 3 و هي : تبادلا- يطيران- يرقصان.
و عهدنا بالقصة التي تتناول العاطفة و الشعور تستثمر الأفعال الدالة على الجانب الصوري أكثر مما تستهلكه من الأفعال الحسية ، مثلما تستعمل الأفعال الدالة على الماضي في العتبات و تغدو الى المضارع في قمة التأزم ، غير أن الكاتبة علا السردي في نصها هذا الموسوم المايسترو و الوشاح قد أفلحت في سرد انشائي بأسلوب أثبت خدمته للقصة.
المايسترو و الوشاح \ الكاتبة الاردنية علا السردي
طرقتان خفيفتان بالعصا الرقيقة على حامل النوتة الموسيقية. الجمهور صامت. الموسيقيون متأهبون. بضع ثوانٍ و يبدأ العزف. يحرك المايسترو يده ذات اليمين و ذات الشمال، و تنطلق الموسيقى في الأنحاء. تخجل الشفاه فتتوقف عن التمتمة… تتعلق الأبصار بالآلات الموسيقية، و تلتهم الأرواح الجائعة غذائها ألحانا… لا تُبقي حتى على الصدى… تحلق موسيقى بيتهوفن بين الأرض و السماء… و على إحدى شرفات المسرح تستكين الألحان… لتقفز الى أذنٍ جميلة… تعلّق بها قرطٌ ماسي… لا يكاد يصبو إلى جمال السيدة التي تضعه، خاصة بريق عيناها؛ تجلس وحدها… على شرفةٍ قريبة جداً من المسرح، لطالما اعتادت أن تجلس فيها، و لم تكن لتتخلف يوماً عن موسيقى شوبان أو موتسارت، فلها معها موعدٌ مقدس في مطلع كل شهر. كان عشقها للموسيقى يفوق عشقها لعطرٍ باريسي راق، أو لرحلةٍ الى بحيرة زيلمسي السويسرية الساحرة. كانت امرأةً من عالمٍ آخر؛ من الطبقة المخملية… إلا أن لها قلباً كباقي نساء الأرض؛ يحب و يكره. قلبٌ لا يفرق بين الثراء و الفقر أو بين
الأرستقراطية و العامة… و قلبها البلوري هذا كان معلقاً بالمايسترو للدرجة التي تجعله لا يكف عن الخفقان بسرعة، و كأنه يشارك الآلات الإيقاعية العزف. أما المايسترو فقد كان يختطف بضع نظراتٍ قبل بداية الحفل يستقبل بها ضيفته، وابتسامة في آخر الحفل يودعها بها. كانت تبادله النظرات بمودة، و تصفق له بشغف، كأن المسرح خالٍ إلا منهما و من الموسيقى… ثم تغادر في انتظار موعدٍ جديد.
كان المايسترو يحظى بشهرةٍ كبيرة و يمتلك ناصية معرفيةً عريضة بالموسيقى… و كان ارتباطه بالألحان ارتباطاً روحياً… فما يكاد يومئ بأشارةٍ من يديه حتى تدب الروح في الآلات… يقود الأوركسترا بعينيه، و بتعابير وجهه… له فلسفته الخاصة في التعامل مع النغمات، تناقض تماماً فلسفته في التعامل مع النساء؛ لقد كان خجولاً… يصمت في حضرةٍ امرأة كما يصمت تمثال… و لا يصبح سيد المكان إلا حين يقود الأوركسترا، كفارسٍ يُحكم قبضته على أرض المعركة، فلا مفر من سيفه أو أرضه. لكن مساءاته لم تعد هادئةً كما قبل، و لم تعد موسيقى تشايكوفسكي قادرةً على بث السكينة في روحه؛ لقد أرّقته تلك الحسناء و تشاركت و موسيقاه قلبه… و مع اقتراب كل حفلٍ له… كان أول ما يرسل إليه بصره هو تلك الشرفةِ المعلقة… ليجد امرأته هناك جالسةً كما جولييت على شرفتها… و ما أن يحظى بابتسامةٍ من شفتيها القرمزيتين… حتى يعطي إشارة البدء للعازفين… و يترك قلبه معها حتى تغادر الحفل دون أن تعيده له. لم يجد ما يعبر به عن حبه إلا الموسيقى، و لذلك باشر تأليف أول سمفونية له، ليهديها إياها… و أقترب اليوم المنشود… الأول من الشهر… صعد المايسترو الى المسرح و أرسل بصره الى حيث يرسله كل مرة… كان المكان فارغاً… لا شفتان لا شعرٌ أسود… لا عينان براقتان… لا هي؛ فقط كرسيٌ فارغ و ستائر ميتة. بدأ الحفل… لكن المايسترو لم يكن على سجيته و قد نال منه الحزن و القلق و بقيا ملازمانه حتى الحفل التالي… و مر شهران تبعهما ثالث و لا أثر لسيدته… كانت سمفونيته قد جهِزت… لكنها بقيت بلا اسم؛ منتظرةً أن تدب فيها الروح عبر تلك الشرفة
… و بينما كان المايسترو خلف الكواليس يعطي تعليماته النهائية للموسيقيين… همس له أحد العاملين بأن ثمة امرأةٍ تطلب مقابلته… اعتذر من العازفين و خرج لمقابلتها… تجمدت أوصاله ما أن أطلت عليه؛ لقد بدت أجمل مما كان يراها… كان شعرها أشد سواداً و عيناها أكثر سحراً… بدت في غاية الأناقة… تقدمت منه بخطىٍ واثقة… تحمل باقةً من الأوركيديا الملونة : " مرحباً " … قالت في خجل!. : " أهلاً سيدتي "… رد المايسترو. قدمت له باقة الورد قائلةً : "اشتقت ألحانك… اعذر لي غيابي" … ثم همت بالرحيل. تبادلا نظراتٍ خاطفة، و استطاع المايسترو أن يحشد بضعة حروف ليقول لها : " شكراً" … كانت تنظر مباشرةً الى شفتيه… ردت : "عفواً" و استدارت مغادرةً… تاركةً المايسترو غارقاً في سعادته. سقط وشاحها الحريري الذي كان يعانق جيدها… لكنها لم تشعر بذلك و تابعت المسير. التقط المايسترو الوشاح عن الأرض و نادى عليها : "سيدتي… سيدتي… وشاحك !"… لكنها لم تلتفت نحوه و مضت الى شرفتها… بانتظار بدء الحفل. كان عطرها قد تسلل الى الوشاح فامتزج بخيوطه و تعلق بألوانه… تنفس المايسترو عبق أنوثتها و هو يقرب الوشاح الى أنفه، فغابت عن ذهنه الألحان و الكلمات… نسي أن هنالك مئة موسيقي ينتظرون إشارةً منه و جمهورٌ يفوق تعداده المئات… اقترب منه أحد العاملين و قال : "سيدي الستار على وشك أن يُرفع؛ الجميع في انتظارك"… استيقظ المايسترو من شروده و وضع الوشاح في جيبه و انطلق الى المسرح… و قد وجد اسماً لسمفونيته الوحيدة… رفع الستار… الجمهور يصفق بحرارة… اقترب المايسترو من لاقط الصوت و قال : "سيداتي… سادتي… يسرني أن أقدم لكم اليوم سمفونيتي الجديدة… الوشاح… أهديها الى ملهمتي صاحبة الوشاح"، ورفع بصره نحو شرفتها… كانت تراقبه و تبتسم. حضرت الموسيقى… و بدأ المايسترو يتمايل مع ألحانه… ينتشي طرباً… يحلق في عالمه الخاص… يلف يده على خصر محبوبته و يراقصها… يطيران نحو السماء… يرقصان فوق الغيم… وحدهما… ينتهي الحفل… تصفيق حار و الجمهور واقفٌ يبدي إعجابه الشديد… استمر التصفيق عدة دقائق؛ لقد حققت السمفونية إعجاباً منقطع النظير. حيى المايسترو جمهوره و انحنى أمامهم… كانت سيدته واقفةً في مكانها و كأنما كانت تبكي… لكنها كانت مبتسمة… لقد استطاع أن يرى دموعها المتلألئة… ظنها دموع سعادةٍ و رضا… لم يعلم أن غياب محبوبته عنه طيلة الأشهر الثلاث كان بسبب حادثة انفجار قنبلة…. أودت بسمعها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























